إقامة أوقاف للعمل الخيري تجنبنا تقلبات الوضع الاقتصادي والسياسي
بواسطة: admin بتاريخ : السبت 08-11-1428 هـ 08:15 صباحا
كتب : رجب الدمنهوري
الجزء الأول من الحوار مع د. عبدالرحمن السميط رئيس جمعية العون المباشر تناولنا بعض الجوانب الإنسانية والخيرية التي نشأ عليها إلى جانب ملامح من حياته المهنية والعلمية وتطور وعيه الثقافي والعلمي.
وفي هذا الجزء نتعرف على أسباب هجرة د. السميط إلى إفريقيا واختياره مجتمع الشظف والحياة القاسية على مجتمع الرفاهية، وآفات الدعوة الإسلامية في إفريقيا ومحاولات الاغتيال التي تعرض لها وموقفه من السياسة والانتخابات البرلمانية.
ويتطلع د. السميط إلى أن يسلم حوالي 510 ألف مسلم قبل نهاية 2009 م إذا توفرت الإمكانات التي تكفل احتياجات الدعاة والعاملين في حقل الدعوة الإسلامية، مشيراً إلى أن العام الماضي شهد دخول أكثر من 200 ألف شخص في الإسلام من قبيلة الانتيمور وفيما يلي التفاصيل:
حول هجرته إلي إفريقيا يقول د. السميط : بعد أن تخرج جميع أولادي في التعليم ، والبنات تزوجن ، وكلهم مشغولون بحياتهم وأعمالهم رأيت أن أستقر في دولة مدغشقر ، وابني الذي تخرج هذا العام في كلية الطب البيطري يجمع جزءاً من مصروفه طوال العام ليشترى تذكرة سفر ويأتي لزيارتي أنا و أمه في مدغشقر ، وعادة ما يكون في صحبة مجموعة من رفاقه، وفي كل يوم يخرج مع أصحابه إلى القرى لدعوة أهلها للإسلام ، كما أخرج أنا و أم صهيب إلى قرى أخرى لدعوة أهلها للإسلام أيضا أو تثبيتهم على الإسلام ، ولا أعتقد أن أحدا من أبنائي ضد فكرة هجرتي إلى أفريقيا، وإذا كان أحفادي يتمنون أن أبقى معهم في الكويت فان أبنائي الكبار يتمنون لو أن أعمالهم وظروفهم تسمح لهم باللحاق بنا في أفريقيا.
واستطرد قائلا: لكن إذا حدث ما يستدعى متابعة شؤون الجمعية فلابد من ذلك ، فحينما وقعت مجاعة النيجر، طُلب منى أن أتابع هذه الكارثة، لا سيما أنني قد اكتسبت خبرة لا بأس بها في مجال المجاعات اعتباراً من مجاعة السودان وتشاد عام 1984م ثم مجاعة الصومال وكينيا عام 1992م وغيرها ، واستطعت بفضل الله أن أدير عدداً كبيراً من مراكز الإغاثة وأنفقنا ملايين الدولارات على عمليات الإغاثة حتى أن أغلب المنظمات الدولية كبرنامج اليونيسيف وبرنامج الغذاء العالمي وغيره لم يجدوا في الميدان منظمة أكبر من منظمتنا فقدموا لنا الدعم.
آفات الدعوة في إفريقيا
وحول آفاق الدعوة في إفريقيا يقول د. السميط: آفاق الدعوة في أفريقيا واسعة جداً، والناس قريبة من الفطرة ، والمشكلة تكمن في عدم توفر الدعاة الحكماء، فنحن لا نريد دعاة ينقلون مشاكل الكويت أو السعودية أو البلاد العربية، فأفريقيا لها مشاكلها، ويجب أن نعالج مشاكلها لا أن ننقل مشاكل بلادنا إليها ، كما أرجو ألا ننقل فتاوى بعض علمائنا مما قد لا يصلح للواقع الأفريقي ، فالأولويات الأفريقية في الدعوة تختلف عن غيرها من الدول ، وأتمنى من دعاتنا أن يدعو إلى الله بحكمة وبصيرة ، وبالحكمة نستطيع أن نحقق ما نريد في فترة قياسية، وأتمنى أن لا يستعجل من يذهب إلى أفريقيا النتائج.
وبفضل الله لقد استطعنا أن ندخل قبائل بأكملها في الإسلام، مثال ذلك قبيلة الغبرة في شمال كينيا أسلمت، كما أن 62 ألفاً أسلموا من قبيلة البوغرانا، وفي قبائل الكمبالا أسلم أكثر من 80 ألف شخص، وهناك عدة قبائل وثنية وغير وثنية في شرق بنين أسلمت عشرات الآلاف منها، والحال نفسه في بوركينافاسو، والسنغال وغيرها، وهناك العديد من القبائل التي أسلمت بسبب المعاملة الحسنة ومحاولة كسب القلوب، ومن الأمثلة المهمة أن جمهورية رواندا كانت نسبة المسلمين فيها تصل إلى 6%، وكانوا مضطهدين، وكان لا يسمح لأي طالب مسلم بدخول الجامعة، مما دعانا أن نعمل وسط الطلبة غير المسلمين في الجامعة وعندما دخل كثيرون في الإسلام شكلنا جمعية الطلبة المسلمين، وبفضل الله عندما وقعت المذابح في رواندا لم تلوث أيدي المسلمين بدماء الأبرياء، فقد رفضوا أن يشاركوا في المذابح بغض النظر عن خلفياتهم وقبائلهم ، و بعد الأزمة ارتفعت نسبة المسلمين إلى 15% ، وبعد المذابح ومع مجيء الحكومة الجديدة تم تعيين وزيرين مسلمين و4 محافظين مسلمين ، والآن تصل نسبة المسلمين إلى 21% ، ومن الأمثلة الأخرى دولة مالاوي فقد بدأنا العمل فيها قبل 26 عاما ونحمد الله أن عدداً من أيتامنا أصبحوا سفراء ووزراء وفي مناصب عليا، و ارتفعت نسبة المسلمين من 17% إلى 51%.
وأردف قائلا: نحن لا ندعو بغرض أن نحصل على نتائج مباشرة ، فنحن نعمل من خلال خطة زمنية مدتها 25 عاما، الهدف منها إدخال قبيلة بأكملها في الإسلام، فنحن نتوقع أن يسلم حوالي 510 ألف افريقي جديد قبل نهاية عام 2009م ، إذا توفرت لنا الإمكانات لكفالة الدعاة ، وخلال العام الماضي اعتنق الإسلام أكثر من 200 ألف شخص من قبيلة الانتيمور ، ومشكلتنا الوحيدة هي قلة الدعاة رغم كثرة الخريجين وذلك بسبب ضعف الراتب الذي نقدمه إليهم.
ونحن نخاطب هؤلاء عبر مترجمين، ومشكلتي أنا شخصيا أنني خلال الـ 26 عاما الماضية لم أجلس في مكان واحد، ودائما أتنقل بين الدول الأفريقية، ولذلك لم أجد الفرصة لإجادة إحدى اللغات ، لكن حينما استقررت في مدغشقر بدأت أحسن من لغتي الفرنسية ، وبعدها سأتعلم بمشيئة الله إحدى اللغات المحلية.
ويشير إلى أن هؤلاء المدعوين كانوا في الأصل مسلمين جاءوا من جدة ، ودورنا أن نذكرهم بتاريخهم وسيرة أجدادهم خاصة أنهم يقدسون أرواحهم، ونشرح لهم عقيدة التوحيد التي كان يؤمن بها أجدادهم وكيفية صلاتهم وصيامهم وحجهم وزكاتهم، مما يسهل علينا الكثير من الأمور، وبعد إسلامهم يحتاجون إلى دعاة، يبقون معهم لمدة 15 يوماً لإعداد دورات للمهتدين الجدد.
الدعاة والمدعوين
ورداً على سؤال حول مدى ثبات المدعوين على الإسلام يري د. السميط أن هذا يعتمد على الدعاة الذين يتابعونهم ، ففي جنوب تشاد عندما أسلم 80 ألف خلال فترة قصيرة، اضطررنا لإرسال 36 داعية، وأنشأنا 4 معاهد شرعية لتخريج أئمة مساجد من أبنائهم ، وقدمنا الدعم لتلاوة القرآن، كما وزعنا الكتب الإسلامية، وأعددنا برامج إذاعية، وأعتقد أن الكثيرين منهم يثبتون على الإسلام إن لم يكن كلهم، أما إذا لقناهم الشهادتين ثم تركناهم ، فمن المحتمل أن يرتدوا عن الإسلام.
وعن أولوياته في أفريقيا قال: أعتقد أن الأولويات تختلف من شخص لآخر، فأولوياتي تكمن في أن أرى اليتامى وقد وصلوا إلى مراتب عليا في التعليم وحصلوا على مناصب مهمة في الدولة، ونحن بدأنا ندفع بطلابنا الذين نرعاهم إلى التعليم الثانوي والجامعي الحكومي حتى يدرسوا إلى جانب العلم الشرعي المقررات الحكومية.
وعما يمكن ان تقدمه الجمعيات الخيرية في هذا المضمار قال د. السميط أدعوها إلى التركيز في عملها و تكثيف جهدها في أفريقيا وغيرها ثم تبدأ في الانتشار تدريجيا، كما أدعوها إلى الاعتماد على التعليم كوسيلة أساسية في نشر الدعوة الإسلامية والتعليم بكل مجالاته وخاصة فيما يتعلق بمساعدة أبناء المسلمين على الالتحاق بالمدارس الحكومية إلى جانب تعليمهم اللغة العربية والدين الإسلامى من أجل نشر الفكر الاسلامى الوسطى والمعتدل في أوساط الطلاب المسلمين.
و رداً على سؤال حول التهديدات التي تعرض لها في إفريقيا يقول د. السميط : الحقيقة أنني تعرضت في أفريقيا للاغتيال مرات عديدة إذ أطلقت مليشيات مسلحة النار علىّ بسبب حضوري في أوساط الفقراء والمحتاجين لكن الله نجاني من هذه المحاولات الغادرة ، كما أن هناك تهديدات من نوع آخر فقد حاصرتني أفعى الكوبرا في موزمبيق وكينيا وملاوي غير مرة و في إحدى المرات كان معي ابني ، فأوقفته خلف ظهري ومن أقدار الله أنني وجدت عصاة ملقاة على الأرض فالتقطتها و قتلت الأفعى قبل أن تهاجمني كما نجاني الله تعالى من تهديدات كثيرة.
وبعد أن توقفت الحرب الأنجلوأمريكية على العراق ذهبت لإغاثة الشعب العراقي وتعرضت إلى حادث سيارة أليم أصبت على أثره بكسور في أماكن مختلفة.
الترويح والترفيه
أما الترفيه والترويح في حياة د. السميط فيقول عنه : راحتي تكمن في عملي، فعندما أخدم هذه الشريحة من الطبقات الفقيرة في أفريقيا أشعر بأعظم راحة ومازلت أذكر أنه في عام 1992م حين وقعت المجاعة في شمال كينيا، دخلت علينا سيدة تحمل طفلا عمره عامين وكانت قد سارت 40 يوما على أقدامها حتى وصلت إلى مركزنا، كشفت على هذا اليتيم ووزنته، وغلب على ظني أنه لا أمل في أن يعيش، فقلت للعاملين معنا دعوه وأدخلوا غيره لا سيما أن عشرات الألوف من الأطفال يحتاجون إلى كفالة ورعاية و علاج ، وكانت قيمة الوجبة 15 فلسا كويتيا ، وعندما خرجت من المركز بعد حوالي ساعتين وجدت الأم تبكى عند الباب ، والطفل قد ارتمى على التراب، هذا المشهد هزّ مشاعري، فنظفت وجهه وضممته إلى صدري وطلبت من العاملين أن يدرجوه ضمن القائمة وتعهدت أن أكفله من مالي الشخصي ونسيت هذا الموضوع وبعد 10 سنوات أرسل مكتبنا صورة لهذا الطفل اليتيم وعمره 12 عاماً وكتب تقريراً يقول إنه متفوق في الدراسة ويحفظ أكثر من ثلث القرآن و أخلاقه عاليه جداً ، لذا فقد شعرت بالسعادة الغامرة ، ولو خُيِّرت بين مشاهدة هذه الصورة وبين الحصول على جائزة نوبل لاخترت الأولى من فرط سعادتي بعملي.
وأذكر أن آخر مرة شاهدت فيلما كانت منذ أكثر من 45 عاماً، و لست ممن يتابعون المسلسلات والمسرحيات أو البرامج التافهة، لكن أتابع بعض البرامج العلمية عن القبائل الإفريقية وحياتهم وعاداتهم وتقاليدهم وبرامج عن الغابات والنباتات والحيوانات وغيرها مما قد يفيدني في عملي.
طلاق بائن
أما عن السياسة فليست لها مجال في أجندته إذ يقول : السياسة ليست من اهتماماتي وما يهمني فيها هو ما يؤثر على العمل الخيري ، فقد طلّقت السياسة طلاقاً بائناً لا رجعة فيه منذ زمن طويل ولم أعد أقرأ عنها أو أتناقش فيها و إذا تواجدت مع مجموعة تتناقش في السياسة ألتزم الصمت.
و أعتقد أن التخصص مهم فإما أن اهتم بالسياسة وأقبل بألاعيبها وممارساتها غير الأخلاقية أو أهتم بالعمل الخيري و ما يجلبه على الفقراء من سعادة، و لا يمكن الجمع بينهما. والحقيقة أنني لم أشارك في أية انتخابات عامة باستثناء الأخيرة حيث كنت أصلى الجمعة، وإذا بالإمام يقول: إن الإدلاء بالصوت أمانة وواجب على كل مسلم، فرق قلبي وخشيت من حساب الله.
فقد كنت أحاول أن أتناسى المشاركة في الانتخابات، لكن الإمام أيقظ في نفسي هذا الأمر وكانت المرة الأولى في حياتي التي أشارك في انتخابات عامة لصالح ما اعتقدت أنه الأصلح. لكن قد يقودني القدر إلى مشاهدة نشرة أخبار، فأطالع ما يحدث للمسلمين في فلسطين أو في غيرها من البلدان الإسلامية وعندئذ أكاد أفقد الوعي وأظل طوال الليل يقظاً وإذا غلبني النوم يحكى أولادي في الصباح أنني كنت أصرخ وأحدث نفسي و أعبر عن استيائي تجاه ما يحدث على أرض فلسطين.
أوقاف خيرية
وعن أماله وتطلعاته يقول د. السميط: أتمنى أن تقام للعمل الخيري أوقاف حتى لا نبقى عبيداً للوضع الاقتصادي والسياسي في المنطقة، فإذا تحسن الاقتصاد حصلنا على تبرعات وإذا ساءت الأوضاع السياسية والاقتصادية تراجعت التبرعات، هذه التقلبات لا تعين على التخطيط السليم وأذكر أنه قبل سنوات ذهبت إلى البنك لتمويل مرتبات الدعاة ولم أجد الأموال كافية ، وفي طريقي إلى المنزل كنت أحمل هماً كبيراً وكدت أن أرتكب ثلاث حوادث بالسيارة، بعدها قررت ألا أقود السيارة حتى لا أتأثر بأى ظروف نفسية بسبب أوضاعنا المتردية ومنذ ذلك الحين استعنت بسائق لأتفرغ للكتابة والقراءة أثناء الطريق.
وحول التضييق علي العمل الخيري قال د. السميط لقد وصل إلى درجة الخنق، وأستغرب من بعض المسؤولين في حكوماتنا، لماذا لا يكونون شجعانا أكثر ويغلقون المؤسسات الخيرية بدلا من التضييق عليها إلى درجة الشلل أو تمويتها بالبطيء، ومثال ذلك نحن لا نستطيع أن نحول أموالاً إلى السودان، وفي الوقت نفسه تفاجئنا وسائل الإعلام بهذه الانتقادات اللاذعة.